فخر الدين الرازي
32
تفسير الرازي
تقريراً للتوحيد وإبطالاً للإشراك ، وقوله : * ( أرأيتم ) * المراد منه أخبروني ، لأن الاستفهام يستدعي جواباً ، يقول القائل أرأيت ماذا فعل زيد ؟ فيقول السامع باع أو اشترى ، ولولا تضمنه معنى أخبرني وإلا لما كان الجواب إلا قوله لا أو نعم ، وقوله : * ( شركاءكم ) * إنما أضاف الشركاء إليهم من حيث إن الأصنام في الحقيقة لم تكن شركاء لله ، وإنما هم جعلوها شركاء ، فقال شركاءكم ، أي الشركاء يجعلكم ويحتمل أن يقال شركاءكم ، أي شركاءكم في النار لقوله : * ( إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم ) * وهو قريب ، ويحتمل أن يقال هو بعيد لاتفاق المفسرين على الأول وقوله : * ( أروني ) * بدل عن * ( أرأيتم ) * لأن كليهما يفيد معنى أخبروني ، ويحتمل أن يقال قوله : * ( أرأيتم ) * استفهام حقيقي و * ( أروني ) * أمر تعجيز للتبين ، فلما قال : * ( أرأيتم ) * يعني أعلمتم هذه التي تدعونها كما هي وعلى ما هي عليه من العجز أو تتوهمون فيها قدرة ، فإن كنتم تعلمونها عاجزة فكيف تعبدونها ؟ وإن كان وقع لكم أن لها قدرة فأروني قدرتها في أي شيء هي ، أهي في الأرض ، كما قال بعضهم : إن الله إله السماء وهؤلاء آلهة الأرض ، وهم الذين قالوا أمور الأرض من الكواكب والأصنام صورها ؟ أم هي في السماوات ، كما قال بعضهم : إن السماء خلقت باستعانة الملائكة والملائكة شركاء في خلق السماوات ، وهذه الأصنام صورها ؟ أم قدرتها في الشفاعة لكم ، كما قال بعضهم إن الملائكة ما خلقوا شيئاً ولكنهم مقربون عند الله فنعبدها ليشفعوا لنا ، فهل معهم كتاب من الله فيه إذنه لهم بالشفاعة ؟ وقوله : * ( أم آتيناهم كتاباً ) * في العائد إليه الضمير وجهان أحدهما : أنه عائد إلى الشركاء ، أي هل أتينا الشركاء كتاباً وثانيهما : أنه عائد إلى المشركين ، أي هل آتينا المشركين كتاباً وعلى الأول فمعناه ما ذكرنا ، أي هل مع ما جعل شريكاً كتاب من الله فيه أن له شفاعة عند الله ، فإن أحداً لا يشفع عنده إلا بإذنه ، وعلى الثاني معناه أن عبادة هؤلاء إما بالعقل ولا عقل لمن يعبد من لم يخلق من الأرض جزءاً من الأجزاء ولا في السماء شيئاً من الأشياء ، وإما بالنقل ونحن ما آتينا المشركين كتاباً فيه أمرنا بالسجود لهؤلاء ولو أمرنا لجاز كما أمرنا بالسجود لآدم وإلى جهة الكعبة ، فهذه العبادة لا عقلية ولا نقلية فوعد بعضهم بعضاً ليس إلا غروراً غرهم الشيطان وزين لهم عبادة الأصنام . قوله تعالى * ( إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالاَْرْضَ أَن تَزُولاَ وَلَئِن زَالَتَآ إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِّن بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً ) * . ثم لما بين أنه لا خلق للأصنام ولا قدرة لها ولا على جزء من الأجزاء بين أن الله قدير بقوله : * ( إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا ولئن زالتا أن أمسكهما من أحد من بعده إنه كان حليماً غفوراً ) * ويحتمل أن يقال لما بين شركهم قال مقتضى شركهم زوال السماوات والأرض كما قال تعالى : * ( تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هداً أن دعوا